
النمسا ميـديـا – تيرول:
نجح فريق علمي دولي بمشاركة الباحث Markus Reindl من مختبر الأبحاث التابع للمستشفى الجامعي في إنسبروك، بالتعاون مع جامعة زيورخ UZH ومعهد Karolinska في ستوكهولم، في تطوير مفهوم علاجي مبتكر قد يشكل نقلة نوعية لوقف مرض التصلب المتعدد (MS). يعتمد العلاج على ربط أجزاء بروتينية محددة بخلايا الدم الحمراء الخاصة بالمريض، لتدريب الجهاز المناعي على “التسامح” وإيقاف الهجوم الذاتي على الدماغ والنخاع الشوكي دون تثبيط المناعة العامة للجسم. ونُشرت النتائج الأولى للدراسة السريرية في المجلة العلمية الأمريكية “PNAS”، وسط آمال واعدة لتطبيق هذا المفهوم على أكثر من 100 مرض من أمراض المناعة الذاتية.
طبيعة مرض التصلب المتعدد وتحديات العلاج الحالية يُعد التصلب المتعدد (MS) من أمراض المناعة الذاتية المزمنة والمصحوبة بَالتهابات، ويستهدف بشكل خاص الشباب. وتتحرك آليات المرض عبر خلايا مناعية، وتحديداً الخلايا اللمفاوية التائية (T-Lymphozyten)، التي تقوم عادة بالدفاع عن الجسم ضد الفيروسات والبكتيريا والفطريات والأورام، إلا أنها في حالة MS تهاجم بالخطأ الدماغ والنخاع الشوكي، وتدمر طبقة “الميالين” العازلة للأعصاب. يؤدي هذا التدمير إلى أعراض متعددة مثل اضطرابات الرؤية والإحساس، والشلل، والإرهاق الشديد، وقد تسبب الانتكاسات المتعاقبة إعاقات دائمة. ورغم وجود علاجات فعالة في كبح الانتكاسات الحادة حالياً، إلا أنها تُثبط الجهاز المناعي بشكل غير متخصص وتترافق مع أعراض جانبية كبيرة.
إعادة “تدريب” الجهاز المناعي على التسامح الذاتي يقوم النهج الجديد على استخدام كريات الدم الحمراء (Erythrozyten) الخاصة بالمريض، وربطها بمكونات بروتينية معينة (ببتيدات الميالين) التي تستهدفها الاستجابة المناعية الخاطئة. وبعد إعادة إدخال هذه الكريات إلى الجسم، يجري امتصاصها وتفكيكها كخلايا هرمة في الكبد والطحال. وخلال هذه العملية، تُعرض المستضدات المربوطة على الجهاز المناعي بطريقة تحفز التسامح المناعي، مما يعلّم الجسم عدم مهاجمة هذه البنيات الذاتية مجدداً.
علاج موجه وبدون أعراض جانبية حادة وأوضح Andreas Lutterotti، الذي أدار الدراسة في مستشفى الأعصاب بجامعة زيورخ والمستشفى الجامعي بزيورخ، أن هذه الطريقة تتيح إيقاف مرض المناعة الذاتية بشكل موجه تماماً ودون أعراض جانبية كبيرة، ودون الحاجة لتثبيط الجهاز المناعي بأكمله. وأشار Andreas Lutterotti إلى إمكانية تطبيق هذا النهج على العديد من أمراض المناعة الذاتية الأخرى التي يتجاوز عددها 100 مرض، والتي شهدت ارتفاعاً متزايداً خلال العقود الماضية وتصيب حالياً أكثر من 5% من السكان.
نتائج مشجعة في التجارب السريرية الأولى جرى اختبار العلاج الجديد لأول مرة على 10 مرضى يعانون من التصلب المتعدد، حيث تلقوا جرعات متزايدة من كريات الدم الحمراء المقترنة بسبعة مكونات من بروتين الميالين، والمعروفة باسم pcRBCs. وأظهرت النتائج أن العلاج آمن وتحمله المرضى بشكل جيد جداً. وأشارت مؤشرات مخبرية متعددة إلى تراجع العمليات التهابية في الدماغ، حيث تبيّن بعد ثلاثة أشهر من إعطاء جرعة واحدة ظهور خلايا تائية تنظيمية تعمل على كبح العمليات المناعية الذاتية.
تأسيس شركة “Cellerys” لمتابعة التطوير السريري من جانبه، أكد Roland Martin من معهد علم المناعة التجريبي في UZH أنه بعد أكثر من 20 عاماً من العمل البحثي، تم تجاوز العقبة السريرية الأولى لإيصال العلاج إلى المرضى. ولأن التطوير السريري القادم مكلف جداً ولا يمكن تغطيته عبر المؤسسات الأكاديمية وحدها، أسس الباحثون شركة البيوتكنولوجيا “Cellerys”، بهدف إجراء الدراسة القادمة لفحص الفاعلية السريرية فور تأمين التمويل اللازم.